الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي

295

شرح ديوان ابن الفارض

[ المعنى ] التحريش : الإغراء بين القوم ، يقال : حرشته فتحرّش ، أي أغريته بالشيء فتعلق به وأولع به . والهوى : المحبة . واستهدف : فعل أمر معناه انتصب هدفا لتكون علامة ترمى إليها سهام المحبة . وقوله « أنت الفتيل بأيّ من أحببته » : اعلم أن أيّا هذه كانت في الأصل شرطية ، ثم إنها تصرّف فيها حتى صارت بمعنى النكرة ، أي أنت القتيل بكل ذات أحببتها وإنما قلنا إنها في الأصل شرطية لأن المعنى « من أحببته » . وقد مثّل الشيخ الرضي لأي الموصولة بقولهم : اضرب أيّهم لقيت ، وهو في المثال مثل التي في البيت . وقوله : « فاختر لنفسك في الهوى من تصطفي » مفرّع على قوله : « أنت القتيل بأيّ من أحببته » ، يعني إذا كان القتل لازما للمحبة فليختر المحبّ لنفسه حبيبا يصلح أن يقتل به ، وعلى نحو ذلك قوله صلى اللّه عليه وسلم : « يحشر المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل » . لكن يشكل على كون « أي » في البيت موصولة أنها حينئذ لا صلة لها لأن من التي أضيفت إليها إما موصولة فما بعدها صلتها ، وإما نكرة فما بعدها صفتها ، فأين صلة أي ، اللّهمّ إلا أن تقول أن « من » هنا نكرة تامّة فلا تحتاج إلى صفة ، والكلام مع هذا محل تأمّل فليحرّر وهذا الشعر هو السحر الحلال . ( ن ) : قوله ولقد أقول : اللام موطئة للقسم المقدّر ، والتقدير واللّه قد أقول ، وقد لتوقّع حصول القول منه ، وقوله بالهوى : أي بالمحبة مطلقا للمحبوب الحق من حيث ظهوره بالصور العلمية . وقوله للبلا : أي للامتحان من اللّه تعالى لإظهار صدقك في المحبة ، أو كذبك فيها . والبلا هنا مقصور لضرورة الوزن . وقوله أنت القتيل : أي المقتول على الحالة التي أنت فيها من خير أو شرّ ، والقتل هنا بمعنى الموت اللازم الذي لا بدّ منه لكل حيّ بالحياة الدنيا . وقوله بأي من أحببته : الباء للملابسة ، أي أنت القتيل بملابسة محبة ، أي شيء أحببته فإن المرء يموت على ما عاش عليه ويحشر على ما مات عليه . أو الباء للسببية ، أي بسبب أي حبيب أحببته فاختر حالة تكون عليها في الدنيا وتموت عليها وتحشر عليها ، وقد عرضنا عليك محبة اللّه تعالى ومحبة الأغيار من العوالم ، وشرحنا لك ذلك فانظر في نفسك ولا تغشّها وأصدق في حالك ومقالك . قال تعالى : لِيَسْئَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ [ الأحزاب : الآية 8 ] فكيف الكاذبون . اه . قل للعذول أطلت لومي طامعا أنّ الملام عن الهوى مستوقفي دع عنك تعنيفي وذق طعم الهوى فإذا عشقت فبعد ذلك عنّف